عبد الملك الجويني
25
نهاية المطلب في دراية المذهب
" حرّك بالقوم " ( 1 ) فاندفع يرتجز ويقول : اللهُمّ لولا أنت ما اهتدينا . . . ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا إلى آخر القطعة . ولا حاجة إلى الإطناب فيها على بيانه . وإنما النظر في خروج الشاعر إلى حد الكذب في وصفٍ ، أو مدح وإطراء ، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن منشىء هذا الفن كاذب ، فهو كما لو كان يكذب على ندور أو اعتياد ، [ و ] ( 2 ) قال الصيدلاني : هذا لا يلتحق بالكذب ؛ فإن الكذب من يُخبر ويُري الكذبَ صدقاً ، والشعر صناعة ، وليس غرض الشاعر أن يُصدَّق في شعره ، فليس إذاً من الكذابين . فمن سلك المسلك الأول ، قال : النادر من هذا الفن محتمل غير مؤثر في رد الشهادة ، والكثير منه يوجب ردَّها ، وقياس ما ذكره الصيدلاني أنه لا فرق بين القليل والكثير منه ؛ فإنه ليس خبراً محقَّقاً عن مُخبرٍ ، وليس خارماً للمروءة إذا لم يتخذه الشاعر مكسباً ، فإذاً لا كذبَ ولا خسّة ، بل هو من الفضائل ، ثم من الوسائل إلى تعلّم الشريعة . ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لأَنْ يمتلئ جوفُ أحدكم قيحاً حتى يَرِيَه خيرٌ من أن يمتلئ شعراً " ( 3 ) قال أصحاب المعاني : هذا فيمن لا يحسن إلا الشعر ، فأما إذا كان يحسن غيره ، فليس يندرج تحت الخبر . وما ذكرناه مشروط بألا يهجو ،
--> ( 1 ) حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لابن رواحة : حرّك بالقوم ، رواه النسائي في سننه الكبرى من حديث قيس بن أبي حازم عن عمر ، ومن حديث قيس عن ابن رواحة مرسلاً ( المناقب ، باب عبد الله بن رواحة ، ح 8193 ، 8194 ) ورواه البيهقي في الكبرى ( 10 / 227 ) وفي المعرفة : 7 / 438 ح 5965 وانظر : التلخيص : 4 / 368 ح 2649 . ( 2 ) زيادة من المحقق . ( 3 ) حديث : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً . . . " بهذا اللفظ رواه البخاري من حديث ابن عمر : الأدب ، باب ما يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن ، ح 6154 ، وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ : " لأن يمتلئ جوف رجلٍ قيحاً يَرِيه خيرٌ من أن يمتلئ شعراً " ( اللؤلؤ والمرجان : 3 / 78 ح 1455 ) .